رد السيد محمد الصغير بابس على أسئلة يومية « L’expression »

       

  إن انخفاض سعر البرميل قد ترك قلقا لدى الرأي العام الوطني. ما هو رأي المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي ؟ وكيف تحلل مؤسستكم الوضع الاقتصادي للبلاد ؟

إن قلق الرأي العام الوطني إزاء انخفاض أسعار المحروقات في السوق الدولية أمر يمكن فهمه، ذلك أن الطابع أحادي الدخل لهذا المورد له أثر مقلق للغاية بالنظر إلى التبعية الكبيرة التي يعيشها اقتصادنا، 96% من عائدات العملة الصعبة، ضرائب النفط تغطي ³/² من عائدات الضرائب، وقيمة مضافة تقارب 33% من القيمة المضافة الإجمالية.

.أمام هذا الواقع، من المهم أن تتفاعل السلطات العمومية ب”كلام صريح”، من شانه على الأقل،الإقناع بأهمية الإجراءات التصحيحية المتخذة في هذا الصدد.

بناءًا على ما سبق، فإن الهيئة الاستشارية المتمثلة في المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي لم تتخلف عن تقديم انشغالاتها، وفي وقت مبكر، بالتحديد مع انعقاد “الجلسات العامة الأولى للمجتمع المدني” (نهاية جوان 2011).

وبهذا الصدد، يمكن العودة إلى التوصيات التي خلص بها هذا اللقاء الفريد. وعليه، فإن المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي لم ينتظر التغيرات الأخيرة للوضع الطاقوي ليعرب عن قلقه، وبالتالي، عن موقفه الثابت المتمثل في رفض نموذج نمو قائم على عائدات النفط فقط. وقد تعزز هذا الموقف مع نهاية المهمة الفريدة التي كلف بها رئيس الجمهورية المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي عند انعقاد مجلس الوزراء في 02 ماي 2011، والمكرس للموضوع العام التالي : “التنمية المحلية و تطلعات المواطنين”. إحدى “التوصيات الخمسين (50)” التي توجت هذه المهمة الفريدة التي أشرفت عليها لمدة (05) أشهر ونصف عبر كامل التراب الوطني، توجه نداء صريح من أجل “نظام جديد للتنمية”، مُنشِئ لقيمة مضافة ومناصب شغل ملائمة ودائمة، مرورا بتنويع الاقتصاد وترسيخه في سلسلة القيم الدولية. وقد تم تأكيد هذا الموقف نفسه خلال “المنتدى الاقتصادي والاجتماعي للخمسينية” الذي نظمه المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي تحت الرعاية السامية لرئيس الجمهورية والذي افتتحه رسميا الوزير الأول.

هذا التذكير المقتضب يدل بكل وضوح على المتابعة/التقييم الدائمين للمجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي للوضع الاقتصادي للبلاد. من جهة أخرى، فإنه من الواضح أن المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي حريص أكثر من أي وقت مضى على هذا الموقف، في الوقت  الذي دخلت مؤشرات الظرف فعلا في المنطقة الحمراء، مما هو واضح من خلال الأرصدة الشاملة لميزان المدفوعات الخارجية، التي تؤكد هشاشة الاقتصاد الوطني أمام أي تذبذب في المعايير الخارجية.

من جهة أخرى، فإن كل المؤشرات المتعلقة بتطور العرض والطلب العالميين على المحروقات تؤكد وجود توجّه نحو زوال هذا المورد بالنسبة للجزائر ، بما أن سعر الميزانية المعتدلة يبقى على المدى القصير أكبر من هذا التطور بشكل واضح. بالرغم من ذلك، فإن المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي يؤكد عدم الرضوخ للقلق، ذلك أن تقييم الوضع الاقتصادي الكلي للبلد يسمح لنا بتأكيد أن الجزائر تمتلك نظريا وسائل لمجابهة هذا الوضع لامتلاكها لحرية التصرف، بفضل سياساتها التحفظية والاحتياطية القبلية (صندوق الاحتياط للمعاشات واحتياطي الصرف). بقي أن تعلن “الدولة الخبيرة” و” المخططة الرئيسة ” بصوت عال نهاية فترة البحبوحة المالية، لترك المجال لإستراتيجية طويلة المدى من شأنها النأي بالاقتصاد والمجتمع عن الصدمات العنيفة ، وهو التوجه المحوري الذي ارتكزت عليه التدابير التي أقرها مجلس الوزراء المصغّر المنعقد يوم 23 ديسمبر 2014. هذه الأخيرة من شأنها بالفعل أن تحوي، على المديين القصير والمتوسط، النفقات العمومية في الحدود المعقولة والتحكم في الواردات، مما يؤدي دون شك، إلى ترشيد تسيير موارد الدولة والمحافظة على التوازنات الداخلية والخارجية. هذه الإجراءات تشكّل ما يعرف بـــــquick wins “الربح السريع” (ذي الآثار الفورية)، في انتظار تعميم الاستراتيجية الهادفة إلى التحويل الهيكلي لنموذجنا الإنمائي وذلك في إطار “المخطط الخماسي 2015-2019” عن طريق زيادة التنويع مما يسمح بمقاومة أفضل للاقتصاد عند حدوث الصدمات الخارجية، التي منها ما هو ناتج عن تذبذب السوق العالمية للمحروقات.

فيما يتعلق بالوضع الاقتصادي والاجتماعي العام الحاصل خلال العشرية الفارطة و من أجل سياق دولي أكثر ملائمة، فإنه ينبغي علينا أيضا أن نسجل الاستدراك التاريخي الذي تم القيام به على جميع المنشآت القاعدية، استدراك بدت عناصره الأساسية على منحنى التنمية البشرية التي قدمتها النسخات الأخيرة من “التقرير العالمي للتنمية البشرية” الذي يصدره “برنامج الأمم المتحدة الإنمائي”. ستكون لنا دون شك فرصة العودة، قريباً إلى جميع هذه الجوانب من أجل نشر “الوضع الاقتصادي والاجتماعي للأمة” الذي يعني تحليل المعطيات المرصودة وكذا “التقرير حول الظرف” الذي يعني من جهته تحليل المعطيات الجديدة السائدة.

في هذه المرحلة، ينبغي أن نعلم أن أموال البترول قد سمحت بتوفير الظروف الإنسانية والمادية لنمو وتنمية دائمين، حيث أننا نملك عاملين أساسيين لهذا : رأس المال البشري الذي استثمرت الدولة كثيراً من أجله، والرصيد المالي الذي لا يزال مستواه معتبراً، لا سيما بالنظر إلى مدخرات الفاعلين الاقتصاديين و على وجه الخصوص تلك المتعلقة بالأسر.

إن الاقتصاد الجزائري قد بلغ مستوى حرجاً، يدفعه من الآن فصاعدا إلى إعادة التفكير في نموه، وفي تراكم مصادره وحركيات إدراجه في الاقتصاد العالمي. وفي هذا الإطار، ترتسم عناصر إستراتيجية على نحو واضح، ألا وهي : استعمال البرامج ذات الأثر البنّاء، إبطاء بعض الاستثمارات وتكييفها بإعادة صياغة ملائمة للسياسات التي تدعمها، الشروع و/أو تشجيع ومرافقة استثمارات ذات قيمة مضاعفة مؤكّدة بكثافة رأسمالية ضعيفة أو متوسطة وتلك التي تمدد سلسلات القيمة، و هو عموماً خاص بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة/الصناعات الصغيرة والمتوسطة/المؤسسات الصغيرة جداً والمبتدئة خاصة على طول خط المعرفة الاقتصادية، استغلال أفضل لمجالات وقدرات النمو الموجودة في مختلف قطاعات النشاط الاقتصادي وفي بعض الفروع والاختصاصات.

في حين أن هذا غير كافٍ، فإن المرحلة الجدية للتنمية التي تُعرض على الجزائر غنية بآفاق المؤسسة. غير أنّه يجب إقناع الرأي والفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين (وسائل الإعلام في وضعية تمكّنها من أداء هذا) بأن مغامرة الجزائر لم تفتأ أن تبدأ. يجب التأكّد من الصعود بوتيرة تدريجية قبل الرّسو على ديناميكية نمو صالحة، حيث تقوم المحروقات مقام تكملة لا يستهان بها. نحن في مرحلة حاسمة من التاريخ الاقتصادي المعاصر للجزائر : إمّا أن تفرض قوى الرّيع أمرها منذرة باستمرار الكارثة، عن طريق قدرتها على الاقتطاع والتخلّص من الفائض أو تفرض قوى التقدم نفسها، مسندة التزامها إلى “أخلاقيات الاقتناع” و/أو “أخلاقيات المسؤولية القوية” حسب مفهوم ماكس ويبر، كبديل تحدٍّ بأبعاد معتبرة حيث الهدف منها إلاّ جعل الجزائر بلداً بارزاً في مستوى استطلاعاته السياسية والتاريخية والجيوستراتيجية.

طبعا هناك عدد محدَّد من الإصلاحات التي يجب القيام بها، من أهمها في نظري ذلك الذي ذُكر سابقا، والذي يتعلق برفع/إعلاء دور الدولة مجتمعة كدولة امبريالية ودولة إستراتجية جديرة ليس فقط بالرفع المستمر من مراجع عملها المعياري، لكن أيضا وفي نفس الوقت متفتّحة لتمنح للشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين وللفضاءات الوسيطة للمجتمع  المدني المنظّم أرضيات فرعية وتأهيلية تسمح لهم بأكبر مساهمة في، الضبط والمبادرة والتكفل الاجتماعي بعدد محدّد من الانشغالات التي احتوتها كليا هذه الفروع المحيطة، والتي قد تنجح بفعالية وبشرعية. هي على أي حال إحدى الدروس الكبرى المستخلصة على أثر الإصغاء للمناطق التي تفقدّها المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي في الثلاثي الثاني لسنة 2011 ولجميع الفاعلين (منفذون، جمعيات منتخبة ومجتمع مدني/حركة جمعوية، على مختلف المستويات المحلية والمحلية الجهوية.

سيكون لهذا التحول أثر هو تنمية أكبر لفضاءات السوق وترشيد استعمال الموارد العمومية خصوصا لأغراض الحماية الاجتماعية. في الواقع، عندما تُحلَّل الوضعية الاقتصادية للجزائر يلفت انتباهنا نوعان وعاملان من الخمول : قلّة فضاءات وأنشطة السوق (العقار، المال، البنوك، الأوعية العقارية ،و العمل، الخ) من جهة، والوزن المفرط للنفقات الاجتماعية التي لم تُقس آثارها أبداً من جهة أخرى. يجب النظر في كل هذا عن قرب، وهذا ما بدءنا في القيام به بالتعاون مع الشركاء المكسيكيين “للمجلس الوطني لتقييم السياسات الاجتماعية” (م.و.ت)، السّلطة التي بنت وحددّت “علبة أدوات” مثالية ومرجعية مطلقة ، من شأنها الحرص على الالتزام بالعدالة في إنتاج السياسات العمومية الموجهة للحقل الاجتماعي.

إنّ أعمال ونشريات تومس بيكتي وجائزة نوبل جوزيف ستيجليتز في هذا الصدد موضّحة تماما لهذه الشروط المسَبقة فيما يخص متانة و ديمومة النمو الاقتصادي على هذا النحو.

لقد رصد صندوق النقد الدولي توقعات غير واضحة للجزائر في سنة 2015 مؤكداً أن بلدنا سيكون في وضعية اقتصادية ومالية هشَّة إلى غاية سنة 2016. ماذا يرى المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي ؟

لقد أحدث انخفاض أسعار النفط، في الواقع، العديد من المخاوف، منذ ذلك الوقت و بعد قرابة سنة من الأزمة، لم تظهر أي علامة لعودة قوية في الأسواق. غير أنّه يجب اعتبار أن النتائج، بالنسبة للاقتصاد الوطني، تأتي في المدى المتوسط أكثر من المدة القصير.

النقطة الأولى، هي أن أسواق النفط غير أكيدة ووصول الغاز والنفط الصخري على صعيد كبير من شأنه أن يعقد مشاكل قراءة الظروف والبنيات.حيث تشكل توقعات التنمية في مختلف نقاط العالم موضوع مراجعات متواصلة نظرا لصعوبات تحديد اتجاهات جديدة للسوق.

بالإضافة، فإن الافتراض قوي أن الأزمة المالية لسنة 2008 الناجمة من سياسة الرهن العقاري، لم تمتص بعد بشكل كامل جميع عواملها الخارجية السلبية. بصورة ملموسة، يتعلق الأمر بتنفيذ شبه فوري لاستراتيجيات خاصة بهدف جني الثمار على المدى الطويل، يتعلق الأمر بميزان المدفوعات وبميزانية الدولة، مثلها مثل تلك الموجهة، لتنويع الناتج الداخلي الخام وتنافسية الصادرات وتحسين القدرات التنافسية على السوق الداخلية.

على أي حال فان صندوق النقد الدولي قد راجع بانخفاض توقعاته للسنة القادمة، فوفقا لهذه المؤسسة ستكون الزيادة اقل حدة مما هو متوقع مبدئيا، فعجز ميزان العمليات الجارية  أمر بالغ الأهمية، حيث ستعرف البطالة ارتفاعا طفيفا، وهذا ليس بمقدار أن الوضع المالي للدولة سيكون هشا، بل سيصبح كذلك في المدى المتوسط إذا حافظ سعر البرميل على مستواه الحالي كما هو محدد في الجواب عن السؤال الأول. و بأن لا شيء بوسعه  ضبط الاقتصاد الكلي للبلاد بمعنى تشجيع أداة الإنتاج والحفاظ على التوازنات  الاجتماعية . إن التحفيز الممول و المؤطر من قبل الدولة لأكثر من عقد من الزمن سيفسح المجال تدريجيا للقطاع التجاري العام  والخاص  على حد سواء ، وفي هذا الصدد تجدر بنا الإشارة على أن الوقت قد حان لجمع وسائل تعبئة المدخرات الخاصة والتي في الواقع استبعدت  على الأقل بشكل غير مباشر من خلال مدخرات عامة كبيرة . يعد نظام الحوافز ثاني أهم أقوى عنصر قصد تجديد الالتزام للقطاع الخاص، لحد الآن لقد  شوه  هذا النظام بسبب أعباء  البيروقراطية وعدم الكفاءة التي ولدت تكاليف معاملات مفرطة الارتفاع ، لدرجة أنها عقمت الحوافز في حد ذاتها . وعلاوة على ذلك، ينبغي أن يتكيف هذا النظام بعناية وفق إستراتيجية إجمالية ولكن قطاعية أيضا، ولن يثبت فعاليته التامة إلا عندما تصبح جهود القطاع الخاص تتوافق مع المصلحة العامة التي تجسدها الدولة.

3يبدو أن الحكومة ستوظف جميع الوسائل قصد التغلب على أزمة اقتصادية ومالية حادة و يسعى لهذا الغرض الاتحاد العام للعمال الجزائريين وأرباب العمل والأحزاب السياسية فهل هناك دور موكول للمجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي؟

  يعد المجلس الاقتصادي والاجتماعي مؤسسة جمهورية تتمتع بالصلاحية القانونية النيابية مقيدة بتوجهها كهيئة استشارية، و يمثل في الواقع طاولة حقيقية لحوار وطني حول الأطراف المعنية ذوي الصلة، مكلفا ببساطة لقيادة حوار اجتماعي ومدني متقدم.

انطلاقا من هذا فان المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي يمارس مهامه عاديا بطريقة مزدوجة وفقا للإخطار والإخطار الذاتي. و بالتالي في هذه الحالة، و بعد مدة قصيرة من اعتماد الحكومة لبرنامج عمل لعام 2015، اعتمد المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي خارطة طريق لرصد / تقييم البرنامج ذاته لسنة 2015 ، المتضمن لعناصر مخطط ضمني / أو واضح  تابع للفترة الخماسية حيث تندرج حصة سنة 2015 . “خارطة الطريق” هذه للمجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي التي تمتثل لمبدأ رئيس الجمهورية قد فسحت المجال أيضا لتبادل التوافق مع الوزير الأول في سياق  ضمان التكامل  والملائمة والنزاهة / الحياد.

وهذا ما يفسر “الدور المنوط إلى المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي” حسب ما يثيره سؤالك، أي يلبي شروط قراره آليا إذا صح التعبير، لأنه يتمثل في دور ” فريد من نوعه” ” في حد ذاته. و اعتبارا من صلاحياتي الكاملة لمنحكم إيضاحات حول السؤالين السابقين، ودائما فيما يتعلق بقرارات مجلس الوزراء بتاريخ 02 مايو 2011 المذكور أعلاه تحت عنوان عام “المشاورات الوطنية حول التنمية المحلية”، التي أوكلت إلى المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي، فهذه أعمال موكولة إليه أيضا “متابعة تطور الاقتصاد بعيدا عن المحروقات خاصة المؤسسة بغية إيجاد تدابير تكميلية أو إصلاحية من شانها أن تؤخذ بعين الاعتبار “- نهاية المقتطف-

إذا  هذا ما يبدو لي بصفة عامة  انه إجابة عن اهتمامكم  إزاء “الدور المنوط  إلى المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي”، مما يدل بوضوح على أن هذه الهيئة الاستشارية لها  دور رئيسي في حيز  واسع من التشاور المؤسساتي الشامل وكذلك المناطق المحيطة / الشبه مؤسساتية، التي بدأتها الحكومة. وأود أن أضيف أخيرا حول طريقة الإخطار الذاتي، فان  المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي حاليا يقود فكرا عميقا بشأن الوضع التنموي وشروط و وسائل عمله في خضم  المعايير  العالمية “للحكم الراشد”، وبما يتماشى مع التزامات الجزائر فيما يخص “الآلية الإفريقية للتقويم من قبل  النظراء” . كما هو صحيح أن نمط النمو الاقتصادي الجديد يتشارك جوهريا مع  إعادة تشكيل جميع طبقات الحكم بما في ذلك إدارة الشركات أو “حوكمة الشركات”، وفقا لاصطلاح لغوي انكليزي  مكرس  حاليا . علاوة على ذلك، فان هذا المنظور المحوري هو ما ورد في إطار ” جدول الأعمال لسنة 2015″ الذي منحه المجتمع الدولي من اجل تحقيق “أهداف التنمية المستدامة”.

4-أقبلت وزارة التجارة على إطلاق عملية “لنستهلك جزائري”،هل تعتقدون أنها الصيغة المناسبة لإحياء المنتوج الوطني؟

من المؤكد تم اتخاذ مبادرات في إطار ما يسمى بــالوطنية الاقتصادية في الوقت الراهن، إذ يجب الإشادة بكل ما يدعو إلى خفض فاتورة الواردات، والتي مثلما نعلم ارتفعت بشكل أسرع من كل متغيرات الاقتصاد الكلي ذات الصلة. نحن نجهل التقييم الدقيق للعواقب المحتملة لتطهير التجارة الخارجية (مكافحة الإفراط في الفوترة ،الفساد …الخ)، وهي المكتسبات من “لنستهلك جزائري”، بحيث لا ينبغي استيراد إلا ما هو ضروري بالنسبة لوسائل الإنتاج وما يلبي الحاجيات الضرورية للشعب. فمنذ زمن طويل، لم تتغير صياغة الواردات مما يستدعي أداء تقييم واضح للسياسات في هذا الشأن، إذ لا يمكن للسياسات على المدى القصير والمتوسط أن تحقق نتائج إلا إذا كانت متبوعة بسياسات هيكلية تستهدف العرض، ويعد ذلك السبيل الوحيد للخروج من الحلقة التي تفرضها علينا حاليا طبيعة تخوفنا الخارجي والذي يلخص في التناوب المزدوج التالي :  شد الحزام عند انخفاض أسعار البترول وإرخاءه عند ارتفاعها، ضرورة “الإشراف” على الواردات بحرص لتفادي اختناق الإنتاج الوطني والبقاء على نفس الوتيرة التي تم اختيارها للدخول “بنجاح” في العولمة، وتعد الصين مثال يقتدى به في هذا الشأن. وعلى المدى الطويل، هناك طريقة وحيدة لتجنّب التخوف الخارجي، والتي يعبر عنها باليقين/الشك من توفير الإيرادات الكافية بالعملة الصعبة لدفع مستحقات الواردات، والتي تقتضي الاستبدال “الذكي” للواردات وذلك : 1- بتشجيع المنتوج الوطني (نظام الحوافز)، 2- رفع مستوى المنتوج الوطني (التنويع، التقنين والتنميق)، 3- تنويع الصادرات. فمهما كانت زاوية التحليل، نعود دائما لمسألة التنويع التي يبدو حاليا أنها تتوافق مع آراء جميع الجهات الفاعلة في الاقتصاد والمجتمع.

يجب علينا أن لا نرى في هذه العملية تجديدا للوطنية الاقتصادية ،التي يبدو أنها آيلة للاندثار في عصر العولمة، وإنما هي محاولة رفع مستوى العرض أكثر مقارنة بمقاييس النوعية التي تتماشى والمعايير الدولية، و استعادة السوق الداخلية التي تعاني من الاقتحام المتكرر لمنافسة غير عادلة ناجمة عن الافتتاح المطلق للتجارة الخارجية و وعي المستهلك بقدرته على المساهمة بنشاط في تنظيم الأسواق والنمو الاقتصادي. هنا تكمن ضرورة وضع عناصر لمسار نوعي من خلال: التقنين، إصدار الشهادات ووضع العلامات، والذي يهدف خاصة إلى توجيه العرض على فروع العجز، حيث يعد استبدال الواردات أكثر فائدة بتأثير  “القيمة المضافة” (لا سيما قطاع الخدمات) وتحمل مزايا تنافسية لا يمكن إنكارها. ومن هذا المنطلق، نجد المنافذ الأكثر بروزاً هي في ميدان الفلاحة ،الصناعة المنجمية ، في قطاع السياحة و في ميدان الحرف والصناعات الثقيلة، وفي عدة سلاسل أخرى من تقييم التصنيع.

.أود أن أقول أن حملة من هذا النوع “لنستهلك جزائري” دون امتداد إستراتيجي على مستوى الإنتاج، قد لا تؤدي إلاّ إلى جهد مخفق.

وهنا تدخل مقتضيات سياسة اقتصادية لعرض مدروس وبناء، وكذا المقتضيات الخاصة بالأنظمة العمومية الحريصة على حماية الأسواق، مع منح المستهلك إمكانيات الاختيار القائمة على المنافسة الشريفة. كافة الفاعلين معنيون بهذه الإشكالية، فهي لا تتمثل في علاقة أحادية الاتجاه، مثلا مع «الدولة” كنقطة انطلاق و”الدولة” كنقطة وصول، أو “الموارد العمومية” كنقطة انطلاق و”المصالح الشخصية” كنقطة وصول.

حيث إن التزام المتعاملين الاقتصاديين الخواص، قد أصبح على سبيل المثال ضرورة أساسية في نجاح عمليات الانتقال.

 

 لقد أعطى رئيس الجمهورية موافقته لإنشاء هيئتين نضجتا في المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي بما أنه وقع، من جهة، المرسوم المتضمن التصديق على اتفاقية إنشاء “جامعة الأمم المتحدة – إرادة” ومن جهة أخرى، المرسوم المتضمن إنشاء “أكاديمية العلوم والتكنولوجيات بالجزائر” (ASTA). هل يمكنكم أن تحدثونا أكثر عن هاتين الهيئتين الرمزيتين ؟

 

صحيح أن هاتين الهيئتين احتضنهما المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي، وفقا للإخطار الذاتي، بموافقة رئيس الجمهورية ودعمه الكبير، وكلاهما ناتجتان عن مسار طويل، ابتدأ بفضل إشراف المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي على دراستين ذات أهمية عرضية وإستراتيجية، إحداهما مكرسة “للاقتصاد القائم على المعرفة” والأخرى مكرسة “للتنمية  المستدامة.

.حفزت الدراسة الأولى الأهمية الموجهة لإنشاء أكاديمية العلوم والتكنولوجيات بالجزائر، انطلاقا من القناعة المشتركة بان انتقادا كبيرا لحق الجزائر في هذا الشأن.

أما فيما يخص الدراسة الثانية، فقد أثيرت بالتأكيد من الاهتمام المطروح إزاء إنشاء فضاء معرفي لاختصاصات متكونة من التعليم ما بعد التدرج من مستوى الماجستير والدكتوراه وما بعد الدكتوراه، وفي ذات الوقت للبحث التطبيقي المختص في هذه الاختصاصات، حيث يكون جميعهم تابعا لجامعة الأمم المتحدة التي يوجد مقرها بطوكيو، وعميدها هو أيضا نائب الأمين العام لجامعة الأمم المتحدة.

وعليه، يُعتبر “معهد إرادة” السلطة المدنية الأكاديمية للنخبة الدولية من أجل بلوغ “أهداف التنمية المستدامة” المكملة “لأهداف الألفية للتنمية” التي ستشكل العمود الفقري “لأجندة ما بعد 2015” التي ستعلن عنها لاحقا الجمعية العام للأمم المتحدة (نيويورك).

 

 وتجدر الإشارة، في الختام، إلى أن المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي الذي دعم هذين المشروعين لم يعد معنيا مباشرة بمصير الهيئات المنبثقة عنهما، حيث تعود مسؤولية التكفل بها إلى السلطة المختصة، إذ أن مهمة تفعيل السياسات العمومية هي من اختصاص الجهاز التنفيذي للحكومة. إن كنتم تودّون الاطلاع على شروط وكيفيات تنفيذ أكاديمية العلوم والتكنولوجيات بالجزائر ASTA و”معهد إرادة”، عليكم التوجه إلى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.

     إلا أنه يمكنني التعبير عن مدى سعادتي لتجسيد هذه المؤسسات، ملتمسا منكم الإشارة في هذا السياق إلى عظم سروري لتعيين العميد السابق “لجامعة ب. بن خدة” التي تم اختيارها كمقر “لمعهد إرادة”، الأستاذ “طاهر حجار”، على رأس القسم الوزاري الذي سيتولى المهمة، بالتعاون الوطيد مع عميد جامعة الأمم المتحدة الأستاذ “دافيد مالون”.